في ذِكرى استقبال ريما نواوي

في مِثل هذا اليوم ومع غُروب شمس يوم الثامن والعشرين، في ليلة التاسع والعشرين من رمضان المُبارك عام ١٤٣٢هـ هبطت الطائرة التي تُقِل ريما نواوي في مطار جِدّة حيثُ كُنّا بانتظارها نحمِلُ الأزهار واللافتات، بدأت فكرة استقبال ريما برِسالة قصيرة من شقيقها أمجد الذي اقترح التجمُع من أجل إدخال السُرور على أُخته التي ظلّت حبيسة مُستشفى فودا في الصين لما يقرُب الشهرين.

 

بعدها تم طرح نفس الفِكرة في تويتر وانتشر الخبر فقمت بعمل صفحة لترتيب الحدث لمعرفة العدد الذي سيحضر، إنها فُرصة عظيمة أن يمنحنا الله إدخال السُرور على شخص مِعطاء مثل ريما نواوي، مَن تابع ريما سيعرف جيدًا ماذا أقصد، فمن الأشياء التي يتذكرها المُتابِعون أنه وكل فترة تقوم بإهداء مُتابعِها رسمة جديدة تشكرهم بها على مُتابعتهم لها، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن لم أرى شخصًا يقوم بشُكر مُتابعيه بشكل دوري، حتى في أصعب الظُروف.

صور وأعمال متعلقة بـ ريما نواوي

[cincopa AAAAF9KS5kSE]

تواصلت مع صديقي وائل يار من أجل تنسيق الاستقبال واتصلت بالمُخرِج والمُنتِج عاصم طاشكندي لتغطية الحدث، فكّرنا في نوع الهدايا التي يُمكن أن نُقدِمها فكانت فكرة وائل أن نقوم بإهدائها أشياء مبنية على أعمالها فكانت فِكرة الكيك الذي يحمل فوقه مُجسمًا لأحد رسوماتها، وكان أيضًا كُتيّب الاقتباسات الذي يحوي تغريداتها المُلهِمة والمليئة بالإيمان والصبر والرِضى بقضاء الله وأيضًا تغريداتها المرِحة التي تبعث الأمل وتُدخِل السُرور.

جهزنا البالونات بالنفخ والرسم ثُمّ انطلقنا إلى المطار، قمنا بتعليق اللافتات الإرشادية والترحيبية بالإضافة إلى البالونات، أول شخص قابلته هُناك كان عبدالله المُفيد، لم أكن أعرفه حينها فكان أول لقاء لنا في المطار، سألته من أين تعرف ريما؟ فقال لي من تويتر ثم سألته لماذا أتيت هُنا؟ فقال لي وهو في غاية التأثُر: “هذا أقل ما نقدمه لها، هي لا تعلم كمية الأمل الذي بثته لنا من خلال تغريداتها”، رُغم مُتابعتي لتغريدات ريما إلّا  أنني تأثرت بكلمات عبدالله المُفيد التي خرجت من قلبه فجزاه الله خيرًا.

مرّ الوقت بطيئًا ونحنُ بانتظار هُبوط الطائرة، وها قد أُعلن عن وُصول الرحلة وبعد لحظات تصل ريما لتملأ أرجاء المطار فرحة وسعادة بحيويتها المعهودة رغم العمليات الصعبة التي أُجريت لها واستئصال رئتها في تلك الرحلة، بالإضافة إلى إرهاق السفر والمرض إلّا  أنها أبت إلّا  أن تُدخِل البهجة على قُلوب مَن أتو لاستقبالها والترحيب بعودتها وحقًا لقد فعلتْ.
أتذكر حين تجمعنا حولها في صالة القدوم اجتمع عدد ممن كانوا في المطار حولنا يتسائلون مَن هذه الفتاة المُهمة التي اجتمعتم حولها؟ فكانت إجابتنا ادخلوا چوچل واكتبوا “ريما نواوي” وستعلمون، وبعد أن انتهينا ذهبت ريما وأسرتها إلى منزل قريبتها فاتن و انطلقنا نحن إلى مطعم مجاور وارتمينا على تلك الكراسي الجلدية ونحنُ لم نُصدّق بعد أننا نجحنا، مرحى! لقد فعلناها حقًا.

وبعد أن نشر عاصم الفيديو الخاص بالاستقبال ظنّ بعض الناس أنها قد شُفيت حقًا من المرض، عندها نظرت إلى صديقي وقلت له: رُغم التصوير والمونتاج الرائع فقد كانت تلك الليلة أجمل كثيرًا من هذا الفيديو.

مرّت الأيام ولم تزل ريما تُطربُنا بتغريدها إلى أن توقّف ذلك التغريد فتسائلنا أين ريما؟ فردت أُختها أنها مريضة ولا تستطيع التغريد فظننا أنّها ستعود بعد عِدة أيّام لتُخبرنا ماذا حصل لها كما كانت تفعل دائمًا ولكن ما هي إلّا  ليال وتحديدًا ليلة الجُمعة جائني اتصال من وائل يبلغني الخبر فقد رحلت صانعة الأمل نعم توفيت ريما نواوي بعد أن لفظت أنفاسها الأخيرة داخل مكّة ليلة الجُمعة وصلينا عليها بعد فجر الجُمعة فرحمها الله رحمة واسعة ورضي الله عنها وأرضاها. آمين.

ماذا بعد وفاة ريما نواوي؟

نعم لقد شعرنا بالحُزن جميعًا في تلك الفترة وحتى الآن، لكن هذا لا يعني أنّك كلما شاهدت تغريدة من تغريدات ريما تضايقت وشعرت بالحُزن، بل على العكس يجب أن تفرح برحمة الله وبهذه النهاية الجميلة لحياتها، دائمًا تذكرها وادعو لها بالرحمة والمغفرة فأنتم شهداء الله في الأرض.

كان صلى الله عليه وسلم يوماً جالساً مع أصحابه، فقال كما رواه عمر بن الخطاب، وذكره البخاري في صحيحه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً: {ما من أحد منكم يشهد له أربعة بالخير إلا أدخله الله الجنة فقال رجل: وثلاثة يا رسول الله؟! قال: وثلاثة، قال: واثنان؟ قال: واثنان، قال عمر رضي الله عنه: ثم لم نسأله عن الواحد}.

وفي صحيح البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: {كان يوماً جالساً بين أصحابه، فمرت جنازة -مُر من أمامهم بجنازة- فأثنى الناس على صاحب هذه الجنازة خيراً- قال أحدهم: فلان نِعْمَ الرجل، كان يشهد الصلاة مع الجماعة، قال الآخر كان محسناً إلى جيرانه، قال ثالث: كان وصولاً للرحم، وقال رابع وخامس وسادس، ويبدأ الثناء عليه من هذا وهذا وهذا- فقال صلى الله عليه وسلم: وجبت وجبت}. وما هي إلا لحظات حتى تمر جنازة أخرى، وإذا بالمدح ينقلب ذماً قال رجل: هذه جنازة فلان بئس الرجل، كان لا يشهد الصلاة مع الجماعة، قال الآخر: كان مؤذياً لجيرانه، قال الثالث: كان قاطعاً لرحمه عاقاً لوالديه، قال رابع: كان أكّالاً لأموال الناس بالباطل، وقال خامس وسادس وسابع. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {وجبت وجبت} ويتساءل الصحابة رضي الله عنهم. فيسأله عمر بن الخطاب يا رسول الله ما وجبت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: {أما الأول فأثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وأما الثاني فأثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في أرضه}

قال الشاعر
المشـــرقــــانِ علــيك ينتحــبان .. قاصـيهـما في مــأتم والـــدانـي

يتســـاءلون أبــالسلال قضيــت .. أم بالقلب أم هل مت بالسرطانِ

الله يشهــد أن موتــك بالحــــجا .. والجـــد والإقـــدام والعرفـــــــــانِ

دقـــات قلــب المــرء قائــلة لـه .. إن الحيــــاة دقائـــق وثــــــــــواني

فارفع لنفسك بعد موتك ذِكرهـا .. فــالذِكـــرُ للإنسانِ عُمـــــرٌ ثاني

ولقد نظرتك والردى بك محدق .. والــداء مــلء معالم الجُثـــــــــمانِ

فهششت لي حتى كأنك عائدي .. وأنا الــذي هد السقـام كيانــــي

وجعلت تسألني الرثاء .. فهاكه .. من أدمعي وسرائري وجنانـــــي

لولا مغالبة الشجون لخاطـــــــري .. لنظمــــــت فيك يتيمة الأزمان

مُذ توفيت ريما -رحمها الله- منذ ثمانية أشهر وأنا أراقب هاتين الكلمتين في بحث تويتر، وفي كل مرّة أجد أنه لم تمُر ٢٤ ساعة على آخر شخص ذكرها بخير، فذاك يدعو لها وذاك يُعيد نشر تغريدها وثالث يبكي فراقها.

نعم، علينا أن نتذكّر ريما كما نتذكّر أبطال المُسلمين الذي جاهدوا في الله حق جهاده وصبروا على ابتلائه وشكروا نعمه، كما أبشركم أنّ مسجد ريما نواوي في طور التنفيذ و قد قام بدفع تكاليفه فاعلوا الخير من تويتر والذي سيُقام بدولة قرغيزستان عبر الندوة العالمية للشباب الإسلامي، كما ألهمتني حلقة خواطر لهذا العام أن نقوم بدعم المنطقة التي حول المسجد ليكون منبع الخير والنماء للمسلمين في أقصى الأرض، والله أسأله أن يُلهمنا رُشدنا ويهدينا صراطًا مُستقيما ويعفو عنّا ويرحمنا برحمته التي وسعت كُل شيء إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمدلله ربِّ العالمين.

5 آراء على “في ذِكرى استقبال ريما نواوي”

  1. ربّى ارحمها، وأعد يومًا بجمال استقبالها عندما نلتقي في الجنَان :"). لم أقرأ هذه المرة بالدموع بل بالفرح والأمل الذي زرعته فينا ولابد لنا من حصاده ولو بعد حين.

  2. يارب عوض كل لحظة حزن على فراقها بكثير من الفرح والرضا والسعادة في قبرها.. وارزق اهلها ومن احبها الصبر والسلوان حتى نلقاك~

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *